ابن كثير

38

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وهو يستلزم ذلك كله ، فإن من اتقى اللّه بفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل ، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها ، وغفرها سترها عن الناس وسببا لنيل ثواب اللّه الجزيل كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الحديد : 28 ] . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 30 ] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة لِيُثْبِتُوكَ ليقيدوك ، وقال عطاء وابن زيد : ليحبسوك ، وقال السدي : الإثبات هو الحبس والوثاق ، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء وهو مجمع الأقوال ، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء ، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج : قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : لما ائتمروا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه . قال له عمه أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا بك ؟ قال « يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني » . فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال « ربي » قال : نعم الرب ربك استوص به خيرا . قال « أنا استوصي به ، بل هو يستوصي بي » « 1 » . وقال أبو جعفر بن جرير « 2 » : حدثني محمد بن إسماعيل المصري المعروف بالوساوسي ، أخبرنا عبد الحميد بن أبي داود عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة أن أبا طالب قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما يأتمر بك قومك ؟ قال « يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني » . فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال « ربي » . قال : نعم الرب ربك فاستوص به خيرا . قال « أنا استوصي به ، بل هو يستوصي بي » . قال : فنزلت وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ الآية . وذكر أبي طالب في هذا غريب جدا ، بل منكر ، لأن هذه الآية مدنية ، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء ، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه . والدليل على صحة ما قلنا ما روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي عن عبد اللّه بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال : وحدثني الكلبي عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 226 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 225 ، 226 .